محمد راغب الطباخ الحلبي
403
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
والمساجد الجم الغفير من النساء والأطفال فدخلوا إليهم وأسروهم وقرنوهم بالحبال وأسرفوا في قتل النساء والرجال ، وصارت الأبكار تفتض في المساجد ولم يراعوا حرمة المساجد ، فلم يرثوا لبكاء الرضع ولم يخشوا دعاء الركّع ، وقد صارت المساجد كالمجزرة من القتلى فلا حول ولا قوة إلا باللّه . واستمر هذا الأمر الشنيع يتزايد من يوم السبت إلى يوم الثلاثاء ، فلما رأى دمرداش نائب حلب عين الغلب نزل من القلعة هو وبقية النواب وأخذوا في رقابهم مناديل وتوجهوا إلى تمرلنك يطلبون منه الأمان ، فلما مثلوا بين يديه خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجانا مذهبة وقال لهم : أنتم صرتم نوابي « 1 » ، ثم أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة فاستنزلوا من كان بها وهم في قيود . واستمر مقيما على حلب نحو شهر وعسكره ينهبون القرى التي حول حلب ويقطعون الأشجار التي بها ويهدمون البيوت ، وقد أسرفوا في القتل ونهب الأموال ، وصارت الأرجل لا تطأ إلا على جثّة إنسان لكثرة القتلى ، حتى قيل إنه بنى من رؤوس القتلى عشرة مآذن دور كل مأذنة عشرون ذراعا وصعودها في الهواء مثل ذلك ، وجعلوا الوجوه فيها بارزة تسفو عليها الرياح ، وتركوا أجساد القتلى في الفلاة تنهشها الكلاب والوحوش ، فكان عدة من قتل في هذه الوقعة من أهل حلب من صغار وكبار ونساء ورجال نحوا من عشرين ألف إنسان ، هذا خارج عمّا هلك من الناس تحت أرجل الخيول عند اقتحام أبواب المدينة وقت الهزيمة ، وهلك من الجوع والعطش أكثر من ذلك . فلما ملك تمرلنك مدينة حلب والقلعة نهب جميع ما في المدينة والقلعة ، ثم رحل عنها بعدما جعلها خاوية على عروشها ، وقد تعطلت في مدة هذه المحاصرة عن الأذان والإقامة وعن صلاة الجمعة .
--> ( 1 ) الذي في تاريخ تيمور لابن عربشاه : لما نزل إليه النواب قبض على سيدي سودون وشيخ الخاصكي وألطنبغا العثماني نائب صفد وعمر بن الطحان نائب غزة وقيدهم وخلع على دمرداش فقط مكافأة له على مخامرته كما تقدم .